تعديل

السبت، 18 أبريل 2020


مَنْ حَسُنَ خَلْقُهُ وَخُلُقَهُ، وَمَنْ اخْتَلَفَ خَلْقُهُ وَخُلُقَهُ([1])

قال ابن الرومي:
كلُّ الخِلالِ التي فيكم محاسِنُكم ... تشابَهَتْ فيكم الأخلاقُ والخِلَقُ
كأنّكم شجرُ الأُتْرُجِّ طاب معاً ... حَمْلاً ونَوْراً وطاب العودُ والورَقُ

الأترُجّ والتُّرُنج: ثمر من فصيلة الليمون ويسميه أهل الشام الكبّاد، والحمل بفتح الحاء - والكسر لغة - ثمر الشجرة؛ ومن دقائق هذه اللغة الكريمة؛ أنّها تفرق بين الحِمْل الذي يحمل على ظهر أو رأس، وبين الحَمل الذي يحمل في البطن من الأولاد في جميع الحيوانات، فالأول يكسرون حاءه، والآخر يفتحون حاءه، قائلين: ما كان لازماً للشيء؛ فهو حَمل، وما كان بائناً؛ فهو حِمل.
وأما حَمِل الشجرة؛ فلما كان شبيهاً بحمل المرأة لاتصاله؛ فتحوا حاءَه، ولما كان يشبه حِمل الشيء على الرأس -لبروزه من جهة، ولأنه ليس مستبطناً كحَمل المرأة من جهة أخرى-؛ كسروا حاءه، والنَّور بفتح النون: الزهر، وفي الأثر: "ما أحسنَ اللهُ خَلقَ أحدٍ وخُلُقَه فأطعمه النارَ".

ووصف بعضهم رجلاً فقال: "يَقْري العينَ جمالاً والأذُنَ بياناً".
وقال قتادة: "ما بعث الله نبياً إلا حَسَنَ الخُلُق، حَسنَ الوجه"، وقيل: قلّ صورةٌ حسنةٌ تَتْبَعها نَفس رديئة. وقيل: "ينبغي للرجل أن ينظرَ إلى وَجْهِه في المرآة، فإن كان حَسَنَ الوجهِ؛ جعل عِنايتَه أن يضمَّ إلى جَمالِ وجهه كَمالَ خُلُقه وكمالَ نَفْسِه، وإن رأى صورةً سَمِجَةً؛ تحرَّز من أن يكونَ دميمَ الخَلق ذَميم الخُلُق".

ونظر بعضهم إلى غلامٍ حسن الوجه يتعلّم العلمَ فقال: أحسنتَ، إذْ قرنتَ بحُسْنِ خَلْقِكَ حُسْنَ خُلُقِكَ. ونظر إلى رجلٍ حَسَنَ الوجه خَبيثِ النفسِ فقال: بيتٌ حسنٌ، وفيه ساكِن نذلٌ.  

ورأى آخرُ شاباً جميلاً فقال: سلبَتْ محاسنُ وجْهِك فضائلَ نَفْسِك.

وقالوا:
فلا تجعل الحُسنَ الدَّليلَ على الفتى ... فما كلُّ مصْقُولِ الحديدِ يمانِ.



ioooop




([1]) انظر: الذخائر والعبقريات (1/161).


كُثَيِّرُ عَزَّةَ([1])
هو: أَبُو صَخْرٍ؛ كُثَيِّرُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الأَسْوَدِ الخُزَاعِيُّ المَدَنِيُّ، مِنْ فُحُوْلِ الشُّعَرَاءِ، وكان مفرط القصر دميما، دخل على "عبدالملك بن مروان" في أول خلافته، فقال: أأنت كُثَيِّرٌ؟ فقال: نعم، فاقتحمه، وقال: "تسمع بالمَعيديّ خير من أن تراه"، فقال: يا أمير المؤمنين؟ كلٌّ عند محلِّه رحب الفناء، شامخ البناء، عالي السَّناء، وأنشد يقول:

تَرى الرَّجُلَ النَّحيفَ فَتَزْدَريهِ - وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصورُ

ويُعْجِبُك الطَّريرُ فتَبْتَليهِ - فَيُخْلِفُ ظنَّكَ الرَّجُلُ الطَّريرُ

بُغاثُ الطيرِ أطولُها رِقاباً - ولَمْ تَطُلِ البُزاةُ ولا الصُّقورُ

خَشاشُ الطيرِ أكْثرُها فِراخاً - وأمُّ الصَّقْرِ مِقْلاتٌ نَزورُ

ضِعافُ الأسْدِ أكْثرُها زَئيراً - وأصْرمُها اللَّواتي لا تَزيرُ

وقَدْ عَظُمَ البعيرُ بِغيرِ لُبًّ - فلَمْ يَسْتَغْنِ بالعِظَمِ البَعيرُ

يُنَوَّخُ ثُمّ يُضْربُ بالهَراوى - فلا عُرْفٌ لَدَيْهِ ولا نَكيرُ 

يُقَوِّدُه الصَّبِيُّ بكلِّ أرْضٍ - ويَنْحَرُه على التُّرْبِ الصَّغيرُ 

فما عِظَمُ الرِّجالِ لَهُمْ بِزَيْنٍ - ولكِنْ زَيْنُهُمْ كَرَمٌ وخَيْرُ

فقَالَ عَبْد الملك: لله دره، ما أفصح لسانه، وأضبط جنانه، وأطول عنانه! والله إني لأظنه كما وصف نفسه([2]).


([1]) عزة الحاجبية هي معشوقة كثير، عاشت في العصر الأموي ضمن بلاد بني غفار من قبيلة كنانة.
([2]) انظر: أمالي القالي (1/46)، والأعلازم   للزركلي (5/219).


الأعرابي وفحول الشعر
أتى أعرابي عبد الملك بن مروان، فمدحه فأحسن المدحة، فأعجب به عبد الملك فقال له: من أنت يا أعرابي؟ قال: رجل من عذرة.
قال: أولئك أفصح الناس. هل تعرف أهجا بيت في الإسلام؟ قال: قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير - فلا كعباً بلغت ولا كلابا

فقال عبد الملك: أحسنت، فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم، قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا - وأندى العالمين بطون راح

قال عبد الملك: أصبت وأحسنت، فهل تعرف أرق بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم، قول جرير:
إن العيون التي في طرفها مرض - قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به - وهن أضعف خلق الله أركانا

قال: أحسنت يا أعرابي، فهل تعرف جريراً؟ قال: لا والله، وإني إلى رؤيته لمشتاق، قال: فهذا جرير، وهذا الأخطل، وهذا الفرزدق، فأنشأ الأعرابي يقول:

فحيا الإله أبا حزرة  - وأرغم أنفك يا أخطل

وجد الفرزدق أتعس به  -  ودق خياشيمه الجندل
فأنشأ الفرزدق يقول:
قد أرغم الله أنفاً أنت حامله - يا ذا الخنا ومقال الزور والخطل

ما أنت بالحكم المرضى حكومته - ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل


ثم أنشأ الأخطل يقول:
يا شر من حملت ساق على قدم - ما مثل قولك في الأقوام يحتمل
إن الحكومة ليست في أبيك ولا - في معشر أنت منهم إنهم سفل

فقام جرير مغضباً وهو يقول: 

شتمتما قائلاً بالحق مهتدياً - عند الخليفة والأقوال تنتضل

أتشتمان سفاهاً خيركم حسباً - ففيكما وإلهي الزور والخطل 

شتمتماه على رفعي ووضعكما - لا زلتما في انحطاط أيها السفل

قال: ثم وثب فقبل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين، جائزتي له. قال: وكانت جائزة جرير خمسة عشر ألفاً كل سنة. فقال عبد الملك: وله مثلها من مالي. فقبضها وخرج([1]).





([1]) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر  (6/41-43).


الجمعة، 3 يناير 2020

قاعدة: يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه

قاعدة: يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه


لا يَكادُ البَّاحِثُ فِي كُتُبِ الأصُولَّيينَ أنْ يَجِدَ فَصْلًا أو مَبْحَثًا مُسْتَقِلًا لِقَاعِدَتِنَا هَذِهِ، إلَّا أنَّني نَسْتَطِيعُ أنْ نُقَرِّرَ حُكْمًا لهَا مِنْ خِلالِ دَلَالَةِ الالْتِزَامِ، فَأقُولُ وبِاللهِ التَّوفِيقِ:
قَاعِدَتُنا هَذِهِ؛ فَرعٌ عنْ قَاعِدَةٍ أصُولِيَّةٍ مَشْهُورَةٍ، وهِيَ: "أنَّ الأمْرَ بِالشَّيءِ؛ يَسْتَلْزِمُ النَهْيَ عَنْ ضِدِّهِ" مِنْ جِهَةِ المعْنَى لَا مِنْ جَهَةِ اللَّفْظِ عِنْدَ أكْثَرِ الأصُولَّيينَ، مِنَ: المالِكِيَّةِ([1]) والشَّافِعيَّةِ([2]) والحَنَابِلَةِ([3])، وعِنْدَ الحَنَفِيَّةِ([4]): "يَقْتَضِي كَرَاهِةَ ضِدِّهِ".
وقَوْلُنَا: "الأمْرُ بِالشَّيءِ ..."؛ يَعُمُ أمْرَ الإيجابِ أوْ أمْرَ النَّدبِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُم عِندَ كَثِيرٍ مِنَ الأصُولَّيينَ([5])، وَعَلَيهِ؛ فَإنَّهُ "يَلْزَمُ مِنْ أمْرِ النَّدبِ؛ النَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ".
ومِنَ الأصُوليَّينَ([6]): مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الأمْرِ أمْرَ أيجَابٍ أوْ أمْرَ نَدْبٍ، فَجَعَلَ مَا كَانَ أمْرَ إيجَابٍ نَهيًا عَنْ ضِدِّهِ، بِخِلافِ مَا كَانَ أمْرَ نَدْبٍ، وَعَلَيهِ؛ فَإنَّهُ "لا يَلْزَمُ مِنْ أمْرِ النَّدبِ؛ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ".
ونَفَى ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ : -وَغَيرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ([7])- أنْ يَكُونَ ثَمَّةَ تَلَازُمٌ بَيْنَ فِعْلِ المـــُسْتَحَبِّ وكَرَاهَةِ تَرْكِهِ، فَقَالَ :: ( وَلْيُعْلَمْ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِنَا " يُسْتَحَبُّ فِعْلُ كَذَا " وَبَيْنَ قَوْلِنَا " يُكْرَهُ تَرْكُهُ " فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُسْتَحَبَّ الْفِعْلِ، وَلَا يَكُونُ مَكْرُوهَ التَّرْكِ، كَصَلَاةِ الضُّحَى مَثَلًا، وَكَثِيرٍ مِنْ النَّوَافِلِ )([8]).
إلا أنَّ تَقِيَّ الدِّينِ السُّبْكِيَّ : يَقُولُ: ( فَإنَّ السُّنةَ المــُـؤكَدَةَ مِنْها مَا يَقْوى الدَّلِيلُ عَلَى كَرَاهَةِ تَرْكِهَا، بَلْ غَالِبُها كَذَلِكَ، أوْ كُلُّها، فَإنَّ السُّنَةَ المــُـؤكَدَةَ قَرِيبَةٌ مِنَ الوَاجِبِ، كَمَا أنَّ المـَكْرُوهَ قَرِيبٌ مِنْ المـُحَرَّمِ، وهُمَا مُتَقَابِلانِ، والأشْيَاءُ تُعْرَفُ بِأضْدَادِهَا، فَكَمَا أنَّ تَرْكَ الوَاجِبِ حَرَامٌ؛ فَتَرْكُ السُّنَةِ المُؤكَدَةِ مَكْرُوهٌ، وَدَرَجَاتُ التَّأكِيدِ تَخْتَلِفُ، فَكُلَّمَا عَظُمَتْ ظَهَرَتِ الكَرَاهَةُ، وإذَا خَفَّتْ خَفِيَتْ )([9]).
ومِنْ خِلالِ مَا قَالَهُ تَقِيُّ الدَّينِ السُّبْكِيُّ : يَتَبِيَّنُ لنَا أمْرَانِ:
الأوَّلُ: تَقْرِيرُهُ : أنَّ تَرْكَ الوَاجِبِ حَرَامٌ، وبِالتَّالي؛ تَرْكُ المـَنْدُوبِ مَكْرُوهٌ، لِأنَّ حَدَّ الوَاجِبِ وَحَدَّ الحَرَامِ مُتَضَادَانِ، وكَذَلِكَ؛ حَدُّ المـَكْرُوهِ وَحَدُّ المنْدُوبِ، فَيلْزَمُ مِنِ ارْتِفَاعِ أحَدِهِمَا وُجُودُ الآخَرِ إذَا لمْ يَكُنْ لَهُ إلا ضِدٌّ واحِدٌ، أمَّا إذَا كَانَ لَهُ أضْدَادٌ؛ فَلَا يَلْزَمُ.
الثَّانِي: أنَّ المـُرادَ بَالمنْدُوبِ الَّذِي بِتَرْكِهِ يَكُونُ تَارِكَهُ وَاقِعًا فِي المـَكْرُوهِ؛ هُوَ أعْلَى دَرَجَاتِ المنْدُوبِ، وهُوَ السُّنَّةُ المـُؤكَدَةُ، وهَذَا مُلاحَظٌ مِنْ خِلَالِ كُتُبِ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهَاءِ مِنْ خِلَالِ الأحْكَامِ الشَّرعِيَّةِ الَّتِي يَسْتَنْبِطُونَها، حَيثُ يَنُصُّونَ عَلَى أنَّ مَا كَانَ مِنَ السُّنَنِ مُؤكَّدًا؛ كَانَ تَرْكُهُ مَكْرُوهًا عِنْدَهُم([10]).
ويُمْكِنُ أنْ نَجْمَعَ بَيْنَ القَوْلَينِ فَنَقُولُ: إنَّ السُّنَةَ غَيرَ المـُؤكَدَةِ تُقَابِلُ خِلَافَ الأوْلَى، لاسِيَمَا وَقدْ عَلِمْنَا أنَّ خِلافَ الأوْلَى أقَلُّ دَرَجَةً مِنَ المـَكْرُوهِ، وأنَّ السُّنَةَ غَيرَ المـُؤكَّدَةِ أقَلُّ دَرَجَةً مِنَ المـُؤكَدةِ، وَعَلَيهِ فَإنَّنا نَخْرُجُ مِنْ هَذا المــَبْحَثِ بَقَاعِدَتَينِ:
الأُولَى: أنَّ "تَرْكَ السُّنَةِ المُؤكَّدَةِ مَكْرُوهٌ"، والثَّانِيةِ: أنَّ "تَرْكَ السُّنَةِ غَيْرِ المُؤكَّدَةِ؛ خَلَافُ الأوْلَى"([11])، -واللهُ I أجلُّ واعْلَمُ-.
------------------------------


تأثيرُ القاعِدَةِ فِي اسْتنبَاطِ الأحْكَامِ مِنَ الأحَاديثِ.
وفِيهِ مَسْألَتَانِ:
المَسْألَةُ الأُولَى: حُكْمُ مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الوِتْرِ والسُّنَنِ الرَّواتِبِ، هَلْ    تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَـــتُــــهُ ؟ 
جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ مِنَ: الحَنَفِيَّةِ([12])، والمالِكِيَّةِ([13])، والشَّافِعيَّةِ([14])، والحَنَابِلَةِ([15]) قَالوا  بِـ "إنَّ المُواظَبَةَ عَلَى تَرْكِ الوِتْرِ والسُّنَنِ الرَّواتِبِ مَكْرُوهٌ"، ونَصَّ الشَّافِعيَّةُ(3) والحَنَابِلَةُ(4) أنَّ الاسْتِدَامَةَ عَلَى التَّركِ يُعَدُّ قَادِحًا فِي عَدَالَةِ المـُسْلِمِ المـُكَلَّفِ، وعَلَيهِ؛      تُـــرَدُّ شَهَادَتُهُ.
قَالَ الإمامُ أحْمدُ :: ( مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ )([16])، وقَالَ النَّوَويُّ([17]) :: ( مَنْ تَرَكَ السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ وَتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَحْيَانًا، لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَمَنِ اعْتَادَ تَرْكَهَا، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتَهَاوُنِهِ بِالدِّينِ وَإِشْعَارِ هَذَا بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالْمُهِمَّاتِ )([18]).
ويَظَهرُ وَجهُ تَأثِيرِ القَاعِدَةِ؛ مِنْ خِلالِ حُكْمِ أهْلِ العِلْمِ عَلَى أنَّ مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الوِتْرِ والسُّنَنِ الرَّواتِبِ بِالكَرَاهَةِ، وأنَّ مَن اسْتَدَامَ تَرْكَها؛ رُدَّت شَهَادَتُهُ وَرِوَايتُهُ لاسْتِدَامَتِهِ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ، وفِي ذَلِكَ يَقولُ النَّوَويُّ: ( وَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ مَذْمُومَةٌ وَتُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ )([19]) ا ه.
المَسْأَلَةُ الثَّانِيةُ: حُكْمُ مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الوِتْرِ والسُّنَنِ الرَّواتِبِ؛ هَلْ يُـــعَـــدُّ عَاصِيًا؟ 
يُقالُ فِي هَذِهِ المـَسْأَلةِ مِثْلُمَا تَقَدَّمَ فِي المـَسْألةِ الأُولَى مِنْ كَرَاهِةِ المـُواظَبَةِ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ الرَّواتِبِ والوَتْرِ عِندَ عَامَةِ أهْلِ العِلْمِ([20]).
وفِي كَوْنِ المُواظِبِ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ هَلْ يُعَدُّ عَاصِيًا؛ قَوْلانِ لأهْلِ العِلْمِ:
القَولُ الأوَّلُ: إنَّ مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الوِتْرِ والسُّنَنِ الرَّواتِب فَسَقَ، وَعُدَّ   عَاصِيًا، ويَأثَمُ عَلَى ذَلِكَ، ولكِن إثْمُهُ دُونَ إثْمِ تَرْكِ الفَرائِضِ، وَهُو قَولُ المالِكِيَّةِ([21])، وَقَولٌ    عِنْدَ بَعْضِ الحَنَابِلَةِ([22]).
القَولُ الثَّانِي: لا يَعْصِي، قَالَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعيَّةِ([23]).
ويُقالُ فِي وَجهِ ارْتِبَاطِ المَسْأَلَةِ بِالقَاعِدَةِ؛ مِثْلُمَا قِيلَ فِي المَسْألَةِ الأُولَى، واللهُ تَبَارَكَ وتَعالى أعْلَمُ.



([1]) انظر: شرح تنقيح الفصول (110)
([2]) انظر: اللمع (31)، والتمهيد (80).
([3]) انظر: أصول ابن مفلح (2/690)، والتحبير شرح التحرير (5/2234).
([4]) انظر: أصول البزدوي (340)، وأصول السرخسي (1/94).
([5]) انظر: التقريب والارشاد للباقلاني (2/199)، واللمع (31)، والإحكام للآمدي (2/212)، والتمهيد للاسنوي (80)، والقواعد لابن اللحام (2/802)، وبيان المختصر للأصفهاني (1/458-459)، وشرح الكوكب المنير (3/56)،  .
([6]) انظر: الإحكام للآمدي (2/211)، والمسودة (1/164)، وشرح تنقيح الفصول (110)، وتشنيف المسامع (2/52)، وشرح الكوكب المنير (3/56).
([7]) منهم: ابن حجر في الفتح (14/152)، وابن عثيمين في الشرح الممتع (4/358)، إلا أن ابن حجر جَعَلَ عدم فعل المستحب من قبيل خلاف الأولى لا مكروهًا، وكذلك البجيرمي في حاشيته على شرح المنهج (1/80)، وابن عابدين في حاشيته على الدر (1/208).
([8]) إحكام الإحكام (1/69-70).
([9]) قضاء الأرب في أسئلة حلب (149).  
([10]) انظر على سبيل المثال: التوضيح لابن الملقن (11/501)، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (1/467)، وحاشية الجمل (1/132)، والبحر الرائق (2/25 و34 و194)، والبناية (11/565)، وكفاية النبيه في شرح التنبيه (4/54)، والعناية (6/76-77)، وأضواء البيان للشنقيطي (4/431) .
([11]) انظر -قريبًا مما قررته ههنا- في: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (2/34).
([12]) انظر: كنز الدقائق مع شرحه البحر الرائق (2/41).
([13]) انظر: مواهب الجليل (12/127)، والتوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (1/585).
([14]) انظر: روضة الطالبين (7/386)، ومغني المحتاج (6/354).
([15]) انظر: كشاف القناع (6/418)، والإنصاف (4/153) و(29/340).
([16]) فتح الباري لابن رجب (9/122)، والمغني (2/594) انظر كذلك: مراجع الحنابلة المتقدمة.
([17]) هُوَ مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا: يَحْيَى بنُ شرفٍ بنِ مري النَّوَوِيّ، الشَّيْخُ الإِمَام الْعَلامَة، وُلِدَ      سَنَةَ 631 ه، وَتُوفِّيَ سَنَةَ 677 ه، صَنَّفَ: المـَـجْمُوعَ، وَالمِنْهَاجَ. انظر: طبقات الشافعية    لابن السبكي (8/395) ولابن قاضي شهبه (2/153).
([18]) روضة الطالبين (7/386).
([19]) شرح صحيح مسلم (1/121).
([20]) انظر تفصيل ذلك في: المسألة الأولى (118).
([21]) انظر: شرح التلقين (1/362)، والتوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (1/585).
([22]): حَكَاهُ ابنُ رجب في فتح الباري (9/122) عن القاضي أبي يعلى.
([23]) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (1/121).